القرطبي
32
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قبلهم ؟ فقالوا لا . فقال : قد تبرأتم من هذين الفريقين ! أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل : " والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم " قوموا ، فعل الله بكم وفعل ! ! ذكره النحاس . الثانية - هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة ، لأنه جعل لمن بعدهم حظا في الفئ ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم ، وأن من سبهم أو واحدا منهم أو اعتقد فيه شرا إنه لا حق له في الفئ ، روي ذلك عن مالك وغيره . قال مالك : من كان يبغض أحدا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، أو كان في قلبه عليهم غل ، فليس له حق في فئ المسلمين ، ثم قرأ " والذين جاءوا من بعدهم " الآية . الثالثة - هذه الآية تدل على أن الصحيح من أقوال العلماء قسمة المنقول ، وإبقاء العقار والأرض شملا ( 1 ) بين المسلمين أجمعين ، كما فعل عمر رضي الله عنه ، إلا أن يجتهد الوالي فينفذ أمرا فيمضي عمله فيه لاختلاف الناس عليه وأن هذه الآية قاضية بذلك ، لان الله تعالى أخبر عن الفئ وجعله لثلاث طوائف : المهاجرين والأنصار - وهم معلمون - " والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان " . فهي عامة في جميع التابعين والآتين بعدهم إلى يوم الدين . وفي الحديث الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال : ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أن رأيت ( 2 ) إخواننا ) قالوا : يا رسول الله ، ألسنا بإخوانك ؟ فقال : ( بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطهم على الحوض ) . فبين صلى الله عليه وسلم أن إخوانهم كل من يأتي بعدهم ، لا كما قال السدي والكلبي : إنهم الذين هاجروا بعد ذلك . وعن الحسن أيضا " والذين جاءوا من بعدهم " من قصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد انقطاع الهجرة .
--> ( 1 ) كذا في الأصول . والمراد جعلها عامة شاملة بين المسلمين . ( 2 ) في صحيح مسلم : " أنا قد رأينا . . . " .